محمد أبو زهرة
622
زهرة التفاسير
صلى اللّه عليه وسلم ؛ فقد كان يدفع من عرفات بعد الغروب ويدفع من المزدلفة قبل الشروق ، بينما المشركون كانوا يدفعون من عرفات قبل أن تغيب الشمس ، ومن المزدلفة بعد أن تطلع . والوقوف بالمزدلفة ليس شأنه في الحج شأن الوقوف بعرفات ، فجمهور الفقهاء على أن من تركها لا يفوته الحج « 1 » . وعرفات لها امتدادات أربعة ؛ فهي تمتد في أولها : إلى طريق المشرق ، وثانيها : يمتد إلى حافة الجبل الذي وراءها ، وثالثها : إلى البساتين التي تلى قرنيها على يسار مستقبل الكعبة ، والرابع : وادى عرنة ، وليس منها ؛ ولذا لا يصح الوقوف فيه . والمزدلفة تمتد من عرفات إلى وادى محسر ، وليس منها ، بل هو في أصله مسيل ماء ، وقد استوت أرضه الآن « 2 » . وإن الآية الكريمة تشير إلى ذلك العمل الإجماعى الذي يقوم به الحجيج ، وقد وقفوا في عرفات تهز أعطافهم ، وتنير قلوبهم ابتهالات جموعهم الضارعة ، وتلبيتهم نداء الله الجامع ، وتعلو الأرواح ، وتسمو عن منازل الأشباح ، تنادى الألسنة رب العالمين ، وتناجى القلوب علام الغيوب ؛ حتى إذا قضوا الساعات في تلك المشاهد الربانية ، وتلك المدارك الروحية ، أفاضوا مسرعين إلى المشعر الحرام ، سائرين حيث سار محمد النبي الكريم ؛ ومن قبله أبو الأنبياء إبراهيم ، وقد طولبوا بالذكر الحكيم ، بأن يذكروا الله وهم في المشعر الحرام بالقلوب المبتهلة الخاشعة ،
--> الشمس على رؤوس الجبال مثل عمائم الرّجال على رءوسها فهدينا مخالف لهديهم » . رواه الحاكم في المستدرك ج 2 ص 304 ( 3147 ) وقال : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه . ورواه بنحوه البيهقي : شعب الإيمان ( 9529 ) ومجمع الزوائد ( 9555 ) والطبراني في الكبير ، ومسند الشافعي ( 1463 ) . ( 1 ) قال المصنف - رحمه اللّه - : أقوال الفقهاء في الوقوف بالمزدلفة ثلاثة أولها : أنه فرض وركن كالوقوف بعرفات ، وعلى هذا الرأي بعض التابعين ، وبعض الشافعية ؛ وقال آخرون : إنه واجب وليس بركن بحيث من فاته وجب عليه دم ، ولا يبطل حجه ، وعلى هذا الحنفية والشافعية ؛ وقال آخرون : إن الوقوف بالمزدلفة سنة مؤكدة ، وعلى هذا أكثر المالكية . ( 2 ) راجع تفسير الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده الذي نقله عن درسه الشيخ رشيد رضا .